لعل ما اتفقت فيه جل الحكومات التي قادت تونس في فترة ما بعد الثورة هو انعدام رؤية استراتيجية تضع أهدافا مختلفة المدى (قريب، متوسط أو بعيد) مما خلق صعوبات في صنع القرار واضطرابا لآلياته واعاق بلورة سياسات ممكنة وناجعة لمعالجة المشاكل الهيكلية للبلاد في مختلف القطاعات.

نتائج الانتخابات التشريعية 2019 جاءت من جهتها لتزيد من حدة تشتت المشهد النيابي حيث لم تحصل أي كتلة سياسية على الأغلبية اللازمة لتشكيل حكومة ذات حزام سياسي صلب يمكَن من إطلاق إصلاحات هيكلية تضع حدا للنزيف الاقتصادي والاجتماعي وتهيئ البلاد لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية القادمة مما يحتم اعتماد تحالفات واسعة بين الأحزاب لتشكيل حكومة ذات سند نيابي قوي.

وبناء على هذه الوضعية فإنه من أبرز رهانات الحكومة المقبلة صياغة خارطة طريق تقدّم برنامجا واضحا ورؤية استراتيجية لفترة الحكم وتكون منبثقة عن برامج الأحزاب السياسية ومنسجمة مع وعودها الانتخابية وفاءً بالتزاماتها تجاه ناخبيها وتحقيقا لمبدأ المحاسبة الذي يمثل ركيزة هامة من ركائز الديمقراطية.

وفي هذا الإطار ارتأت منظمة سوليدار تونس باعتبارها قوة اقتراح من مكونات المجتمع المدني الناشطة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بناء قاعدة مشتركة مستوحاة من البرامج الانتخابية للأحزاب السبع الأولى في الانتخابات التشريعية الأخيرة تلتقي حولها جل الحساسيات السياسية وتشكل اطارا لصياغة خارطة الطريق المنشودة.

رغم الاختلاف إجراءات تتقارب إن الهدف الأساسي من خارطة الطريق هو صياغة رؤية مشتركة أو توجه مشترك بين مختلف الحساسيات السياسية الممثلة في البرلمان باعتبارها المسؤولة عن صياغة التوجهات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.

وبالتالي كانت نقطة الانطلاق للدراسة التي قامت بها سوليدار هي بناء قاعدة عمل تلتقي حولها كل الأطراف المعنية.

ولبناء القاعدة المذكورة تم اتباع المنهجية التالية:

في مرحلة أولى تم اجراء جرد واسع للإجراءات الواردة في البرامج الانتخابية للأحزاب السبع الأولى الفائزة في الانتخابات التشريعية وهي على التوالي:

حزب حركة النهضة وحزب قلب تونس وحزب التيار الديمقراطي وائتلاف الكرامة والحزب الدستوري الحر وحركة الشعب وحركة تحيا تونس.

وقد مكن هذا الجرد من إعداد قائمة تحتوي على 1455 اجراء في مرحلة ثانية تم تصنيف هذه الإجراءات وضبط التقاطعات بينها من طرف خبراء في الاقتصاد ورسم السياسات العامة بعد القيام بعمليات تحليل وتقييم لمدى تشابهها وتقاربها لاسيما على مستوى المعاني والأهداف مع التخلي عن الإجراءات الفضفاضة التي يمكن تصنيفها كإعلانات نوايا أو أهداف عامة وليس كإجراءات عملية.

وقد أنتج هذا التقييم 218 اجراء مشتركا بين 3 أحزاب أو أكثر ستمثل اللبنة الأساسية للقاعدة المشتركة.

المرحلة الموالية كانت تجميع الإجراءات المشتركة حسب الأهداف التي تم استخلاصها من السياق العام للإجراءات والتي بلغت 36 هدفا ومن ثمة تمت إعادة تنظيم هذه الأهداف في 4 محاور استراتيجية و4 ركائز من طرف خبراء في التخطيط الاستراتيجي.

وقد جاءت أهداف "تحسين نجاعة المؤسسات العمومية على مستوى التصرف والانجاز والرقابة" و "تحسين جودة التعليم والارتقاء بمخرجاته الى مستوى المعايير الدولية" و"تنويع الأسواق الخارجية والنهوض بالتصدير" في المراتب الثلاث الأولى تفاضليا من حيث عدد الإجراءات المتقرحة من الأحزاب.

وبصفة عامة تغطي هذه الإجراءات 4 محاور استراتيجية كبرى هي: التنافسية والتجديد وخلق الثروة:

ومن اهداف هذا المحور تنويع الأسواق الخارجية والنهوض بالتصدير ودعم وتأهيل المؤسسات الصغرى والمتوسطة.

السيادة والأمن القومي:

ومن أهم أهدافه تعزيز استراتيجيات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة علاوة على الإسراع في استكمال الهيئات الدستورية الادماج والعدالة الاجتماعية:

ومن أهدافه الرفع من نسق التنمية الجهوية وتطبيق مبدأ التمييز الإيجابي بالإضافة الى دعم الادماج الاجتماعي والتمكين الاقتصادي للمرأة الريفية.

الرفاه الاجتماعي وجودة الحياة:

ومن أهدافه العناية بالبيئة وتثمين النفايات والحد من التلوث في المناطق الحضرية وتحقيق الرفاه الاجتماعي ولتتحقق هذه المحاور الاستراتيجية كان يجب إيجاد ركائز أساسية وقد خلص فريق الخبراء الذي قام بالدراسة تحت اشراف منظمة سوليدار الى 4 ركائز أساسية هي: دولة القانون:

ومن إجراءات هذه الركيزة ضمان سلامة المرضى والموظفين الطبيين في مرافق الصحة العمومية رأس المال البشري والتعلم:

ومن اجراءاتها توظيف البيداغوجيا الرقمية في جميع مسارات التعلّم الحوكمة والمؤسسات:

ومن اجراءاتها التحكم في تحويل الموارد من القطاع العمومي إلى الخاص (إصلاح النشاط التكميلي وأنظمة صندوق التأمين) عبر تحسين حوكمة صندوق التأمين على المرض وأنظمة العلاج المجاني وبالتعريفة المنخفضة التحول الرقمي:

ومن اجراءاتها وضع برنامج للتعريف بالثروة الحضارية للبلاد في جميع الوسائط المعلوماتية والمواقع الاجتماعية علميا:

التيار الديموقراطي والنهضة وقلب تونس الأكثر تقاربا (من حيث الإجراءات) بهدف معرفة مدى تقارب البرامج الحزبية في الأهداف والإجراءات، تم قياس تقارب القاعدة المشتركة مع البرامج الحزبية اعتمادا على المقاربة التالية: إسناد عدد من 1-الى 3 على اعتبار الاتي:

3 للتطابق التام لفظا ومعنى

2 للتطابق الجزئي الواسع (تطابق المعنى مع اختلاف اللفظ)

1 للتطابق الجزئي المحدود (تطابق الهدف)

0 لانعدام أي تطابق في الهدف

1-لوجود إجراءات معاكسة يتضح إذا أن حزب التيار الديموقراطي اقترح برامج هي الأقرب للقاعدة المشتركة او بصياغة أخرى برامج هذا الحزب هي التي تتفق أكثر مع برامج بقية الأحزاب وذلك بنسبة 56 بالمئة في حين حل حزب إئتلاف الكرامة في المرتبة الأخيرة حيث أن برامجه تتطابق بنسبة 10 بالمئة فقط مع القاعدة المشتركة أو لنقل هو الأبعد من حيث رؤاه الاقتصادية مقارنة بالست أحزاب الأخرى.

علميا يتضح ان نتائج دراسة سوليدار حول بناء قاعدة مشتركة مستوحاة من البرامج الانتخابية للأحزاب السبع الأولى في الانتخابات التشريعية الأخيرة قربت بعض الأحزاب نظرا لتقاربها في الرؤى ويمكن أن تكون هذه الدراسة منطلقا يتم الاعتماد عليه سواء في تشكيل الحكومة أو في رسم برنامجها الاقتصادي لكن على أرض الواقع هل من أرضية للتفاهم في ظل التشنج الذي يعيشه البرلمان في الفترة الأخيرة؟

الرؤية في كلمة

مجموعة الرؤية الإخبارية المصرية، بثلاث لغات على ثلاث روابط مختلفة جميعها تحمل توقيع الرؤية:عربية، إنجليزية، وفرنسية.

اتصل بنا

 

  • Address : برج اليرموك/ ميدان لبنان، القاهرة، جمهورية مصر العربية

  • Email : عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  • Phone1 :0020-133-2250-814
    Phone2 : 0216-53-533-320

ترند